السيد كاظم الحائري

501

تزكية النفس

ذاته المقدّس في كلّ تطلّعاتهم وآمالهم ، ولا يلتفتون إلى غيره سبحانه من العوالم ، بل لا يفكّرون في أنفسهم وكمالاتهم . وإمّا أن ينغمروا في زخارف الدنيا ، ويخوضوا في ظلمات حبّ الجاه والمال ، وتكون قلوبهم متجهة نحو الأنانيّة والإنّية من دون أن يعبأوا بالعالم الأقدس ، ويأبهوا بالملكوت الأعلى ، وهم الملحدون في أسماء اللّه . والطائفة الثالثة هم الذين ينتبهون إلى العالم الأرفع نتيجة نور إيمانهم ، ويكرهون الموت لالتفاتهم إلى هذا العالم ، فعبّر عن هذا التجاذب بين الملك والملكوت ، والغيب والمادّة ، والآخرة والدنيا بالتردّد ، ونسب هذا التردّد إلى اللّه بالبيان الماضي « 1 » . قوله : « وإنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلّا الغنى . . . » هذا المقطع ورد في نقل آخر بشكل أكثر شرحا ، فقال : « . . . وإنّ من عبادي المؤمن لمن يريد الباب من العبادة فأكفّه عنه ؛ لئلّا يدخله عجب ويفسده ، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالغنى ، ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالسقم ، ولو صححت جسمه لأفسده ذلك ، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالصحة ، ولو أسقمته لأفسده ذلك . إنّي أدبّر عبادي بعلمي بقلوبهم ، فإنّي عليم خبير » « 2 » . وحقّا أنّ هذا المقطع يبرّد قلب المؤمن على أيّة حال يكون ما دام يعلم يقينا أنّ اللّه - تعالى - لا يريد إلّا الخير بعباده ، فلو سقم أو أفقر فلعلّ الصحّة أو الغنى كان يوجب له البطر ، ولو أغني أو عوفي فلعلّ الفقر أو السقم كان يوجب له الجزع

--> ( 1 ) الأربعون حديثا للسيّد الإمام رحمه اللّه ، ترجمة السيّد محمّد الغرويّ : 524 . ( 2 ) البحار 70 / 16 - 17 .